1-
يوميات لا أراها
كثيرا ما يتردد فى أذهانناصدى لمواقف وكلمات ,بقايا أشياء تتراكم وتبنى
لنفسها غرفا تسكنها فى أعمق ذكرياتنا , ثم تتحول الى تراث مدفون فى جب من النسيان
, لا تكاد تذكرها .
جميعا كنا صغارا وأطفالا وعشنا سنوات جميلة وبريئة , هل نتذكر كل تفاصيلها
؟؟
لا ..ليس كل التفاصيل مؤكد ,فقد سمح العقل الباطن لنفسه أن يتخلص من بعض
المواد التى لا يرى انها ضرورية .الا أن العقل الواعى يمكنه أن يسترد قدرا كبيرا
منها بشىء من التدريب والمثابرة .
لكن هل هى ضرورية ؟؟
هى يوميات كنا نعيشها فى طفولتنا , ثم ولت الى غياهب النسيان فقد حلت
المراهقة التى تكون كشاحنة تدهس براءتنا ثم تنقلنا الى زمن الخطايا .
ربما نتذكر كيف كنا نصفف شعرنا ,وربما نتذكر لون زى المدرسة , ربما تذكرنا ألوان ملابس الاعياد
الجديدة ..وكيف نفرح ونلهو .
لكننا لا نتذكر الامنا , أحزان كثيرة عبرنا بها , تبقة نقطة خفية تحاول أن
تذوب فى ملايين اللحظات .كنا نتألم فيها أشد الألم ,تعلمنا الحياة منذ الطفولة أن
هناك ألم ,وألم شديد , وأنناسنتعرض للايلام بشكل مفجع , ولكننا لا نفهم الرسالة
المبكرة وبالتالى نصطدم بجراح لم نفكر أنها ستؤلمنا .
نسينا يوميات الطفولة ..توارت أصبحت يوميات لا نراها ,,ننظر الى اطفالنا
لنبحث عن هذه اليوميات فيهم ,أول خطوة فى حياتهم , أول كلمة ينطقونها , نظرة العين
البريئة عند الضحك , وصوت البكاء النقى لحظة بكائهم , حتى أخطائهم البريئة تعيد
ألينا ذكريات نسيناها , تخطينا مراحل لم نتوقعها ولم نعرف أنها قادمة وستمضى مسرعة
أذا أين هم شركاء الطفولة ..وأين الاصدقاء ؟؟؟؟
يوما قام سامح ابن الجيران بضربى بحجر ..اصابنى بجرح تحت عينى , أين سامح ؟
الحجر أصابنى , وسامح رحل الى عالم النسيان وبقى أثر غير واضح لجرح تجاوز
عمره الثلاثين عاما .
يوما أحببت أمانى زميلة الدراسة فى الابتدائية , لكنى لا أتذكر الا نظرة
عينيها .رحلت أمانى واتسع عالمى فدخلته عشرات الأمانى .
لعبت على ناصية شارع هو اليوم غير موجود , قرأت كلمات فى جريدة قديمة ,لم
أعد أذكرها , ولا أذكر اسم الجريدة ذاتها.
تشاجرت مع زملائى .ربما ضربونى , وربما ضربتهم , الان منا من مات , ومنا من
سافر ومنا من بقى ,لكننا لم نعد نلتقى , وقد لا نتعارف أذا التقينا وقد لا نتذكر
ملامح بعضنا , وحتى معلمينا , أغلبهم توفى , ومن بقى لا نعلم عنه شيئا .
هؤلاء من كنا نلتقيهم يوميا , كانوا يومياتنا ,لم يعودوا هكذا ..يوميات لا
نراها , بل ذكريات ربما لا نحب أن نتذكرها .
كم ليلة باردة فى شتاء الصغر عشناها , نحتمى بحضن الأم ونتدفأ فى انسياب
انفاس اهالينا داخل الجدران العتيقة , ومن كان ليس عنده هذا الدفء .
ثم صرنا نتصارع على عالم لم نملك منه شيئا لينتهى صراعنا بأننا لن نملك أى
شىء
وينتهى بنا العمر مجرد كلمات واسماء كتبت على أوراق ستبلى يوما هى الأخرى
ولن يتذكر أحد أننا كنا هنا يوما كما لا نتذكر نحن أحدا ولم تعد لدينا
يوميات نثبتها فى دفاتر حضورنا الى الحياة .
سمير أحب دودى , رحلت تاركة الحى كاملا .لم تعره يوما أدنى انتباه , سمير
توفى فى سن الاربعين .
هل علمت دودى أنه أحبها ؟ لا أعلم
ايهاب وعد فاطمة بالزواج ,فتزوجت أشرف,وايهاب هاجر الى الخارج ,محمد أحب
هند تزوجت عادل وسافرت الى الخليج , وبقى محمد يكتب هذه السطور ,
ابراهيم تعلم السياسة والان صاحب متجر عطور , وأيمن تعلم البكاء على اللبن
المسكوب , ففاتته حياة أدركها مؤخرا يحاول أ ن يحيا بعضها .
كريمة تخطت الاربعين ولا زالت بنفس الغباء القديم , كاملة تخطت الاربعين لا
نعلم ماذاحدث بعد أن فرت من بيت زوجها ثم عادت ؟؟؟
أمانى فى ملكوت واسع لا تذكر حتى أنها قبلتنى يوما ..؟
وماذا بعد .. ربما لو كنا نكتب يومياتنا لتذكرنا الكثير لكنى أضعت مفكرتى
وانا فى السادسة عشرة .
ولا أعلم أين ذهبت ولا أذكر منها غير اسم هند , لكن من هى هند نفسها ؟؟لم
أعد أتذكر
ولا حتى ملامحها ولا من كانت وأين كانت .
ولا يعزينى النسيان ,فقد تألمت لأسباب لا اذكرها , لكنى لم أحب الالم ولم
أحب أن اعتاد عليه
وفى طريق ما تسير الحياة وتتخذ منعطفات لا يتوقعها أى منا , حتى اننا قد
نكتشف بعد ردح من الزمن أننا كنا مشوشين , لم نكن نرى أى طريق واضح وخدعتنا
الاتجاهات ,وشىء من البريق الزائف لاحلامنا ,ونعود نتفقد ذكريات مهلهلة فلا نرى
فيها أى سرد منطقى للحياة الغير مفهومة التى عشناها .
اذ أن النجاح فى الحياة نسبى ,يراه كل منا بمنظور خاص به ثم يحاول أن يفرضه
على الأخرين كمقياس عام ليقنع نفسه أنه ناجح والاخرين يلهثون .
هذا المفهوم النسبى للنجاح يحول يومياتنا الى صراع أحمق لا نهاية له حتى
يسقطنا الموت , اذا أين هو هذا النجاح , استمر السباق بلا توقف حت متنا وتركنا
الحلبة لمن خلفنا يتسابقون .
اذا هل نجحنا فى حياتنا ؟
أنا أعتبر أننا مهرجون , وسخفاء للحد الذى أفقدنا معنى وجودنا , يمكنك أن
تطلق على شخصى الاف الصفات لكن ليس من بينها التافه .
لأنى أرانا زمرة حمقى اجتمعوا فى عربة قطار , كل منهم يظن أنه يمكنه قيادة
القطار بينما أحدنا لا يعلم الى يمضى بنا هذا القطار ذاته , اذا لم نتصارع على
قيادة القطار ؟؟؟
هل رجعنا الى يومياتنا ؟
لن نستطيع لأننا لم نعد نراها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق