الثلاثاء، 13 نوفمبر 2012


خمس دقائق

 يخيم صمت الخريف المحمل بالكأبة على المدينة ، الطقس فى الخارج ، غير مستقر ، ينذر حينا بالبرد وحينا بالاعتدال المتوجس .
تداخلت سحابات الغروب تطارد بقايا اليوم الغير مشمس ، فى الخارج الاشجار الوارفة خلعت عنها زينتها وتعرت استعدادا للتجرد الموسمى ، اسراب بسيطة من الطيور تحركت مبكرا نحو الهجرة الى الجنوب .كلما أبكرت كلما ضمنت مدة أطول من الدفء ورغد الشمس الجنوبية .
من خلف زجاج الشرفة ،ازاحت نسمة الستائر الثقيلة ، بحثا على مرمى البصر عن اللا شىء المتناهى قرب المرفأ
بضع سفن تبدو من بعيد متسللة فى صمت مريب كأنها تذهب الى المجهول ..تأملت نسمة المنظر الغريب والكئيب وكأنها تراه لأول مرة .
لم تنتبه من قبل لسخافة الخريف وثقل ظله ، لم تفهم معنى أن يصيبها الطقس بالحزن العميق .أين تذهب هذه السفن .ومتى تتوقف للابد ؟؟؟
هناك شىء واحد مؤكد ...أنها مصدومة ،عاشت ثلاثين عاما فى نفس المكان لكنها لم تلحظ أنه حزين هكذا فى الخريف ، وكأن الهجرة عمت المكان .يمتد الشارع أمامها الى رصيف المرفأ تتذكر كم سارت فيه طوال العام ولم تشاهده قط.
تركت الستائر تنسدل مجددا بلا مبالاة ، تجولت فى المنزل ، ترددت قبل الدخول الى المطبخ ، بتثاقل بدأت تعد فنجانا من القهوة .
كيف تحبها ؟؟؟ لا تتذكر .
نعم كان هو من يعد لها القهوة فى بداية المساء ,ويتناولان من نفس الفنجان ، ترف منه أولا ..ثم يتبعها من نفس مكان شفتيها . وكأنه يقتفى أثر حبتى الكرز اللتان يهيم بهما .
كثيرا ما عانقت شفتاه هاتين الكرزتين .امتص رحيقهما ، ارتوى من حلاهما ، ثم يعاود الكرة ، لا يقوى على البقاء ساكنا .
ثم ينتهى فنجان القهوة المطعم بالقبلات الدافئه ، فتميل على الاريكة تضع رأسها الصغير وشعرهاالكستنائى المسترسل على قدمه ، فيضمها اليه برفق . يترفق بالقوارير كما  علمه النبى .(ص )
لم تدرى ما صبته فى الفنجان ، تحركت متثاقلة تشعر برجفة تسري فى جسدها ، ربما التقيه كما اعتدت ، مستلقى يقرأ كتابا فى المعيشة ، او ربما يكون فى الحمام .كما يحب بعد أن يصل الى البيت .يستحم يتعطر يتزين ،ليلتقى حبيبته ، فيبدوا لها دوما جميلا .
خاب أملها ، لم تجده ولم تسمع صوته الصادر من الحمام كالعادة يغنى :( أين من عينى حبيب ..فيه عز وإباء)
تركت المعيشة .خائبة الظن .شعرت بانكسار وهزيمة , ربما نلتقى فى الطرقة المؤدية الى حجرتنا .
كان ينتظر مرورى فيخطفنى من وسطى , ويحملنى كعصففور صغير . ويلقى بى على الفراش بقوة حنونة ، ثم يستلقى بجوارى . ينظر الى طويلا لا يشيح بعينيه عنى .
ثم وابل من القبلات يمطر جبهتى الرقيقة ويلثم أنفى الذى يحب رقته ودقته ،ثم ..........
تزفر من أعماقها ..لماذا لست هنا ..الخريف يزداد سماجة , والليل يزحف فى صمت اللصوص .لم أعتد الا أكون بين يديك فى هذه الاوقات ،لم أشعر بالخريف طالما كنت أنت ربيعى الدائم .
لقد تأخرت عن موعد قبلات المساء ،كيف أسامحك ؟؟
كيف يسامحك جسدى الذى يتألم بدونك ؟؟
كيف تسامحك شفتاى الغارقة فى أريج أنفاسك ، حتى رائحة التبغ الذى تنفثه من سيجارتك له رونق أخر ..أكاد اعشقه بسبب رائحتك الذكية التى تطغى عليه .
هل تعتقد أن لسانى الذى اعتاد أن يستلقى متيما بين شفتيك سوف يتسامح فى غيابك .
تنظر الى الفراش الخاوى .لا ترى محمداالذى كان يح أن يتوسط الفراش باسطا قدميه يداعب أصابعه فى براءة طفل عابث ، أين هذا الطفل الكبير الذى يدفعن الى الجنون من فرط براءته ؟؟؟؟
أين هذا الطفل الذى يصر على ارتداء نصف بنطال مضحك وقميصا غريب الشكل كقمصان الاطفال .؟؟؟
ليس هنا الان ....
إذا ما فائدة القهوة ان لم يكن هنا يحتسيها معى ؟؟
ما هو طعم الفراش بدون طفلى ؟؟
ما هو طعم الخريف بدون شفتاه الجريئة المتمكنة من نفسها ، كنت أستلقى مستسلمة فى نعومة أحب هذا البرنامج المتنوع من التقبيل الى العناق الى اللمس .
ويحك يا محمد ..كيف تسنى لك ألا تكون هنا ؟؟
لم أعرف معن الارجاز دون ايلاج الا بك ، لم أعرف طريق النشوة الطاغية الا على يديك .هل تظن أنى سأمرر لك هجرى ؟؟هل تظن أن هناك من يمكنه أن يحتل مكان طفلى للابد فى حياتى غيرك .
هل جننت ؟؟
من سيشاهد امطار الشتاء معى ، من خلف زجاج النافذة ,من سيعلمنى عشق غيوم الشتاء ورائحة الأمطار وبلل الشوارع غير أحمق واحد؟؟
أحبه ..ماذا ؟؟
كيف أحبه ؟؟ لقد تجاوز هذا المدى منذ أول عناق لى ، عبر كل بلدان الحب ومدنها ، ليصبح إلها فى قلبى .
أحبك لا تصلح ..لكن لا أجد كلمة مناسبة تعبر عن هذا الفيضان من العشق والغضب لغيابك .
اللعنة عليك ..تتركنى وحيدة وأنت تعلم أنى سأضيع لا مناص بدونك ، مجرد وجود مكانك فارغا يحول حياتى الى جحيم لا يهدأ ..
لسوف أقتلك , سأتسلل اليك وانت نائم وأخن..أقبلك ،سأغرس أنيابى أه شفتاى بين شفتيك..لا لا لا أتصورنى بدونك ترفة عين .
ترتبك كل خلجاتها , أعصار الحرة والهلع ييطر على مدينة قلبها ، ضاقت الدنيا الى أقصى مدى فى صدرها تكاد تلقى بنفسها من أقرب نافذة
تنظر حولها كالمجذوبة ..أنه هنا ..هذا هو قميصه الطفولى ، وبنطاله القصير المضحك، هذه زجاجة عطره ،وأه   هناك هناك حيث تستقر كتبه التى لم تشغله عنى .أشتم رائحته فى المكان .
لا ..لا  .لم يرحل ،فقط أنا أتخيل ، أنه كابوس مزعج جدا ، أنا ..أنا
لا ادرى ..محمد همنا .متأكدة ، لم يهجرنى , لا يقوى على فراق حبتى الكرز خاصته ، لا يستطسع اكتصاص رحيق رمانتى صدر غير رمانتى صدرى أنا .
يهجرنى ؟؟؟؟
لا ..ومن سيقبل جسدي ؟
من سيقبل فرجى بكل هيام وشغف ؟ ثم يطرحنى أسفله فيمزج ماءه بمائى .؟؟
لكنه لا يحب غيرى .،لا يتذوق غيرى ، لا يرى غيرى ,لقد أقسم صادقا سيموت بين ذراعاى أو  أموت بين كفيه
ومن ..من سيغرق هذا الفراش بمائى حين يداعبنى ، محال .لم نفترق ,هذا وهم خادع وقاس .
فى ألم وصمت تدفن وجهها باكية فى الوسادة ، أنها تغرقها الان لكن ليس بمائها ,انما بدموعها .
انتبهت فزعة كالفراشة ، وهو يضمها اليه بقوة ، وتلنصق بصدره تنهار باكية ,مندهشا :
ما بك عمرى ؟؟
مختنقة بدموعها : لا ..لا شىء
يرفع رأسها وهو ينظر اليها بحنا ن متسائلا
تندفع فى غضب جم : لماذا تأخرت ..أنتظرك منذ ساعات طوال ؟؟؟
يضمها مجددا حتى تذوب فى صدره : ساعات ؟؟أنها فقط خمس دقائق حبيبتى .
تهمس من داخل أحضانه ::انها خمس سنوات بالنسبة لى .، إياك أن تكررها والا سأقتلك .
يقبل رأسها فى رفق : أنت ..أنت عمرى فكيف اتأخر عنك .

                                                        محمد البدوى